عبد الملك الجويني

119

نهاية المطلب في دراية المذهب

فهل يجب القصاص على المكرِه ؟ إن قلنا : للصبي عمد ، فيجب القصاص على المكرِه ، ولا أثر لسقوط القصاص عن الصبي [ ولو ] ( 1 ) باشر مختاراً ؛ فإن إلمكرِه لو كان مكلفاً ، لأسقطنا القصاص عن الصبي . وإن قلنا فعل الصبي خطأ ، ففي وجوب القصاص على المكرِه تردُّدٌ للأصحاب ، وقد أشار القاضي إلى الخلاف فيه ، وحقيقة هذا التردد ترجع إلى أنا هل ننقل تقدير فعل المكرَه إلى المكرِه على صفته ( 2 ) أم نجعل المكرَه كالمباشر القتل ، ولا ننظر إلى صفة فعل المكرِه ؟ وعلى هذا يخرج ما لو أجبر إنسانٌ على أن يرميَ إلى ما يحسبه هو - يعني المكرَه - صيداً وهدفاً ، وكان المكرِه يعلم أنه إنسان ، فإذا رماه مكرهاً ، فللأئمة تردد ( 3 ) في وجوب القصاص على المكرَه . ولو أكره صبي بالغاً على قتلٍ ، فلا يخفى أن الصبي لا قصاص عليه ، فأما البالغ ، فأمره يخرّج على أن المكرَه هل يجب عليه القود أم لا ؟ وفيه القولان . فإن قلنا : لا قصاص على المكرَه ، فلا كلام . وإن قلنا : يجب القود على المكرَه ، ففي هذه الصورة نفرع أمره على أن الصبي هل له عمد أم لا ؟ فإن قلنا : لا عمد له ، فلا قود على المكرَه ، فإنا نوجب القصاص على المكرَه بتأويل الشركة ، فإذا كان الشريك صبيّاً ، لم يجب القصاص . فإن قلنا : للصبي عمد ، فقد شارك المكرَه عامداً ضامناً ، فيلزمه القصاص ، وإن لم يجب على شريكه العامد الضامن .

--> ( 1 ) في الأصل : " لو " بدون الواو . والمعنى أنه لو اشترك بالغ مع صبي مميز ٍ - وقلنا للصبي عمد - فيجب القود على شريك الصبي ولو باشر فعله مختاراً بغير إكراه ، فإنه شارك عامداً ، والمذهب أن القود يجب على المكرِه والمكرَه باعتبارهما شريكين . ( 2 ) المعنى أننا هل ننقل فعل المكره ( بالفتح ) على صفته إلى المكرِه ، أي إن اعتبرنا فعل الصبي خطأ فهل ننقله إلى المكرِه بهذه الصفة ( خطأ ) ، فلا قود إذاً ، أم أننا ننقل الفعل إلى المكرِه ونعتبر الصبي آلة ، فهنا يجب القود . ( 3 ) سبب التردد أن فعل المكرَه صورته شبه عمد ، فالمكرِه إن نقلنا إليه الفعل بصفته لا يجب عليه القود ، وإن قلنا : إنه شريك المكره ، فقد شارك غير عامد .